فوزي آل سيف

42

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

وهذه المراتب من العبودية لا تتنافى مع المقامات العالية المقدسة، فكما ينسب لأمير المؤمنين عليه السلام قوله " كفى بي عزًّا أن أكون لك عبدًا، وكفى بي فخرًا أن تكون لي ربًّا، أنت كما أحب فاجعلني كما تحب".[137] في نفس الوقت فإن من مراتبهم التي كشفتها هذه الزيارة ـ ولم تحط بكل تلك المراتب الكمالية ـ فإن الإمام لم يكن في صدد استقصاء كل تلك المقامات، وإنما هو في صدد جواب السائل موسى النخعي الذي طلب منه كلاما بليغا كاملا يقوله ويزور به المعصومين، والزيارة والوقوف عند القبر قد لا يقتضي أكثر من هذا المقدار من الوقت، وبالتالي هذا العدد من المقامات والمراتب. فمن تلك المراتب والمقامات ما جاء في الزيارة من وصفهم بـ " مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَسَاكِنِ بَرَكَةِ اللَّهِ وَمَعَادِنِ حِكْمَةِ اللَّهِ وَحَفَظَةِ سِرِّ اللَّهِ وَحَمَلَةِ كِتَابِ اللَّهِ وَأَوْصِيَاءِ نَبِيِّ اللَّهِ وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلی الله عليه وآله ". بل ويخاطبهم بـ " يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعَ الرِّسَالَةِ وَمُخْتَلَفَ الْمَلَائِكَةِ وَمَهْبِطَ الْوَحْيِ وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ وَخُزَّانَ الْعِلْمِ وَمُنْتَهَى الْحِلْمِ وَأُصُولَ الْكَرَمِ وَقَادَةَ الْأُمَمِ وَأَوْلِيَاءَ النِّعَمِ وَعَنَاصِرَ الْأَبْرَارِ وَدَعَائِمَ الْأَخْيَارِ وَسَاسَةَ الْعِبَادِ وَأَرْكَانَ الْبِلَادِ وَأَبْوَابَ الْإِيمَانِ وَأُمَنَاءَ الرَّحْمَنِ وَسُلَالَةَ النَّبِيِّينَ وَصَفْوَةَ الْمُرْسَلِينَ وَعِتْرَةَ خِيَرَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". كما يسلم عليهم ذاكرًا أعلى ما يمكن توفره في البشر من صفات كاملة فيقول الزائر: "السَّلَامُ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى وَأَعْلَامِ التُّقَى وَذَوِي النُّهَى وَأُولِي الْحِجَى وَكَهْفِ الْوَرَى وَوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَثَلِ الْأَعْلَى وَالدَّعْوَةِ الْحُسْنَى وَحُجَجِ اللَّهِ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْأُولَى وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ". ولمن أراد مزيدا من التعرف على فقرات معانيها وتفصيل ما جاء فيها فليرجع إلى شروحها المفصلة. 4/ إن الزيارة بحسب تقسيمها سنجد فيها: خمس تسليمات عليهم بفقراتها، وأربع شهادات من جهة الزائر، ووصف للمزور.. وأربع مرات تفدية واستعداد للتضحية بالنفس والأهل والمال والولد.. وهذا يشابه سائر الزيارات في بنيتها العامة حيث تحتوي في العادة على التسليم على المزور، وعلى الشهادة له بما هو أهل ذلك من الخير والفضل وإقامة الصلاة والجهاد في سبيل الله وسائر الصفات الحسنة. 5/ هناك بعض الإثارات والتشكيكات التي قد يثيرها المخالفون الطائفيون حول بعض عبارات الزيارة المذكورة، وربما تأثر بها على مستوى السؤال أو التردد بعض أتباع أهل البيت عليهم السلام، ونرى من اللازم الإشارة لها. فإن هناك إثارة تقول بأنه جاء في هذه الزيارة بعض الكلمات المشيرة إلى الشرك مثل: بكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض ".. يتساءل هؤلاء هل يحتاج الله لهم؟ وألا يعد هذا شركا بالله تعالى المستغني عن كافة عباده؟ وهكذا الفقرة التي تقول " إياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم " والحال أن القرآن يخالف ذلك بقول الله تعالى " إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (*) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (*).[138] والجواب: على ذلك بالنقض والحل؛ أما النقض فنحن نقول لهم: لو حذفنا هذه العبارات.. هل تقبلون باقي الزيارة؟ وباقي الصفات؟ وبالطبع فإن هؤلاء المخالفين لا يقبلون أي حرف من الزيارة! بل لا يرون مشروعية للزيارة لا في قصد القبر وشد الرحال إليه، ولا في مخاطبة صاحب القبر فإنه ميت عندهم لا يسمع ولا يعي! ولا في ذكر هذه العبارات ولا غيرها، فكل ذلك عندهم هو أمر مبتدع! لقد رفضوا زيارة قبر الرسول المصطفى! أفتراهم يقبلون بزيارة أبنائه الأوصياء؟

--> 137 ) الحسيني الخطيب؛ السيد عبد الزهراء: مصادر نهج البلاغة وأسانيده٤/١٣٠ 138 ) الغاشية 25ـ 26